الشيخ محمد رشيد رضا
28
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والطريقة الأولى يكون بها العقل مستقلا ، والدين مؤيدا له وهاديا ، لا مرغما ولا معطلا ، هذا ملخص ما قرره شيخنا والمختار عندنا ان المراد بالآيات آيات القرآن باعتبار ما اشتملت عليه من الآيات العقلية والعلمية على أصول العقائد والقواعد . فهي في نفسها آية على النبوة والرسالة بأنواع إعجازها التي تقدم بيانها ( ص 190 - 228 ج 1 ) وتشتمل على آيات كثيرة على التوحيد والبعث وأصول الاسلام كلها الآيات تتعلق باثبات العقائد وأصول الدين وهي المقصد الأول ، ويليها تهذيب الاخلاق ولذلك قال وَيُزَكِّيكُمْ أي يطهر نفوسكم من الاخلاق السافلة ، والرذائل الممقوتة ، ويخلقها بالأخلاق الحميدة بما لكم فيه من حسن الأسوة ، لا بالقهر والسطوة ، وخص المفسر ( الجلال ) التزكية بالتطهير من الشرك . قال الأستاذ الامام : وهذا لا يصح فان الاسلام كما جاء بالتوحيد الماحي للشرك ، جاء بالتهذيب المطهر من سفساف الاخلاق وقبائح العادات والمعاصي التي كانت فاشية في العرب ، فقد كانوا يئدون بناتهم - يدفنونهن حيات - ويقتلون أولادهم للتخلص من النفقة عليهم وذلك نهاية القسوة والشح ، وكانوا يسفكون الدماء فيما بينهم لأهون سبب يثير حميتهم الجاهلية ، لما اعتادوه من البغي في الثارات ومن شن الغارات ونهب بعضهم بعضا ، وكان عندهم من التسفل ان أحدهم يتزوج زوج أبيه أو يعضلها حتى تفتدي منه ، إلى غير ذلك . وقد زكاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك كله باقتدائهم بأخلاقه العظيمة في عباداته الكاملة وآدابه العالية ، وجمعهم بعد تلك الفرقة ، وألف اللّه بينهم على يديه حتى صاروا كرجل واحد ، وجعلت شريعته ذمتهم واحدة يسعى بها أدناهم ، فإذا أعطى مولى أو رقيق لهم أمانا لأي انسان محارب كان ذلك كتأمين أمير المؤمنين له ، فأي تزكية أعلى من هذه التزكية ؟ وأقول إنهم بزكاة أنفسهم هذه فتحوا العالم وكانوا أئمة أمم المدنية التي كانت تحتقر جنسهم كله فان الأعاجم انما عرفوا فضل الاسلام بعد لهم وفضلهم في فتوحهم وما فهموا القرآن إلا بعد اسلامهم وتعلمهم العربية . والرسول الذي زكى هذه الأمة التي زكت أمما كثيرة حقيق بأن تكون نفسه أزكى الأنفس وأكملها . ولكننا علمنا أن بعض دعاة النصرانية يستدل بآية ( لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ) على تفضيل عيسى